عبد القاهر الجرجاني
110
دلائل الإعجاز في علم المعاني
بالفعل مطلقا ، وما ذاك إلّا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي ، ومن المرأتين ذود ، وأنهما قالتا : لا يكون منّا سقي حتى يصدر الرعاء ، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي . فأمّا ما كان المسقيّ ؟ أغنما أم إبلا أم غير ذلك ، فخارج عن الغرض ، وموهم خلافه . وذاك أنه لو قيل : " وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما " ، جاز أن يكون لم ينكر الذّود من حيث هو ذود ، بل من حيث هو ذود غنم ، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذّود ، كما أنك إذا قلت : " مالك تمنع أخاك ؟ " ، كنت منكرا المنع ، لا من حيث هو منع ، بل من حيث هو منع أخ ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الرّوعة والحسن ما وجدت ، إلّا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة ، وأن الغرض لا يصحّ إلّا على تركه . وممّا هو كأنه نوع آخر غير ما مضى ، قول البحتري : [ من الطويل ] إذا بعدت أبلت ، وإن قربت شفت ، * فهجرانها يبلي ، ولقيانها يشفي " 1 " قد علم أن المعنى : إذا بعدت عني أبلتني ، وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك ، ويوجب اطّراحه . وذاك لأنه أرد أن يجعل البلى كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه ، كأنه كالطبيعة فيه ، وكذلك حال الشّفاء مع القرب ، حتى كأنّه قال : أتدري ما بعادها ؟ هو الداء المضني ، وما قربها ؟ هو الشفاء والبرء من كل داء . ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة ، إلا بحذف المفعول البتّة ، فاعرفه . وليس لنتائج هذا الحذف ، أعني حذف المفعول ، نهاية ، فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة ، وإلى لطائف لا تحصى . وهذا نوع منه آخر : اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى " الإضمار على شريطة التفسير " ، وذلك مثل قولهم : " أكرمني وأكرمت عبد اللّه " ، أردت : " أكرمني عبد اللّه وأكرمت عبد اللّه " ، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني . فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر ، وشيء لا يعبأ به ، ويظنّ أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه . وفيه - إذا أنت طلبت الشيء من معدنه - من دقيق الصّنعة ومن جليل الفائدة ، ما لا تجده إلا في كلام الفحول .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ، وأمام البيت حاشية أخرى ، كأنها أيضا منقولة من حواشي نسخة عبد القاهر التي نسخ عنها كاتب " ج " وهذا نص الحاشية : هذا مبنيّ على أن هذه المرأة من الحسن والجمال بحيث لا يراها أحد إلا عشيقها ، وكان حاله معها هذه الحالة . وهذا المعنى هو ما افتتح به المتنبي : أتراها لكثرة العشاق * تحسب الدمع خلقة في المآقي [ شاكر ] .